السيد حيدر الآملي
414
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
فإذا فرغوا من ذلك خلعت عليهم من الخلع ما لم يلبسوا مثلها فيما تقدّم ، ومصداق ذلك قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : « فيها مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » ( 204 ) . فإذا فرغوا من ذلك قاموا إلى كثيب من المسك الأبيض فأخذوا منازلهم فيه على قدر علمهم باللَّه لا على قدر عملهم ، فإن العمل مخصوص بنعيم الجنان لا بمشاهدة الرحمن ، فبيناهم على ذلك إذا بنور قد بهرهم فيخرون سجّدا فيسري ذلك النور في أبصارهم ظاهرا ، وفي بصائرهم باطنا ، وفي أجزاء أبدانهم كلَّها ، وفي لطائف نفوسهم ، فيرجع ويسمع بذاته كلَّها ، ( كما سمع موسى كلام ربّه من جميع الجهات وجميع أعضائه ) فهذا يعطيهم ذلك النور فيه يطيقون المشاهدة والرؤية ، وهي أتمّ
--> ( 204 ) قوله : فيها مالا عين رأت . أخرجه مسلم في صحيحه ج 4 ، كتاب الجنّة ، باب 51 الحديث 4 و 3 و 2 ، وأخرجه أيضا ابن ماجة في سننه ج 2 كتاب الزهد باب 39 ( صفة الجنة الحديث 4328 ، ص 1447 . ورواه أيضا ابن أبي جمهور في عوالي اللئالي ج 4 ص 101 الحديث 148 . تبصرة : لا بدّ من التأمل في قوله صلَّى اللَّه عليه وآله « بشر » في هذا الحديث ، بأن البشر يكون هكذا ، أي أنّ في الجنة كذا وكذا ولكن لا يراها عين البشر ، ولا يسمعها أذن البشر ولا يخطر على قلب بشر ، معناه أنّه إذا توقّف الإنسان على بشريّته التي هي قشر له ، مع أنّ للإنسان درجات ومراتب أخرى لا بدّ من وصوله إليها . فإذن من لم يصل إلى تلك المراتب فهو بشر بعد ولم يستطيع أن يدرك حقيقة الجنّة وما فيها وليس له حظ منها ، وأمّا من جاوز عن البشريّة ووصل إلى طهارة النفس على مراتبها ، يفهم ويدرك ويذوق ويرى ويشهد ، وهكذا إلى أقصى المراتب .